السيد هاشم البحراني

252

البرهان في تفسير القرآن

اليهود الذين نافقوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في هذه القصة « 1 » ، فإنهم قالوا لبني إسرائيل : إن الله تعالى قال لنا هذا ، وأمرنا بما ذكرناه لكم ونهانا ، وأتبع ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه ، وإن صعب عليكم ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ترتكبوه وتواقعوه ، وهم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون . ثم أظهر الله على نفاقهم الآخر مع جهلهم ، فقال الله عز وجل : * ( وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ) * كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذرّ وعمارا ، قالوا : آمنا كإيمانكم ، آمنا « 2 » بنبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) مقرونة « 3 » بالإيمان بإمامة أخيه علي بن أبي طالب ، وبأنه أخوه الهادي ، ووزيره الموالي ، وخليفته على أمته ، ومنجز عدته ، والوافي بذمته ، والناهض بأعباء سياسته ، وقيم الخلق ، الذائد لهم عن سخط الرحمن ، الموجب لهم - إن أطاعوه - رضا الرحمن ، وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة ، والأقمار المنيرة ، والشمس المضيئة الباهرة ، وأن أولياءهم أولياء الله ، وأن أعداءهم أعداء الله . ويقول بعضهم : نشهد أن محمدا ( صلى الله عليه وآله ) صاحب المعجزات ، ومقيم الدلالات الواضحات ، هو الذي لما تواطأت قريش على قتله ، وطلبوه فقدا لروحه ، يبس الله أيديهم فلم تعمل ، وأرجلهم فلن تنهض ، حتى رجعوا عنه خائبين « 4 » مغلوبين ، ولو شاء محمد وحده قتلهم أجمعين ، وهو الذي لما جاءته قريش ، وأشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم وكذبه خر هبل لوجهه ، وشهد له بنبوته ، ولعلي أخيه بإمامته ، ولأوليائه من بعده بوراثته ، والقيام بسياسته وإمامته . وهو الذي لما ألجأته قريش إلى الشعب « 5 » ، ووكلوا ببابه من يمنع من إيصال قوت ، ومن خروج أحد عنه ، خوفا أن يطلب لهم قوتا ، غذا هناك كافرهم ومؤمنهم أفضل من المن والسلوى ، وكل ما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الأطعمات الطيبات ، ومن أصناف الحلاوات ، وكساهم أحسن الكسوات . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بين أظهرهم إذ يراهم « 6 » وقد ضاقت لضيق فجهم « 7 » صدورهم ، قال بيده « 8 » هكذا بيمناه إلى الجبال ، وهكذا بيسراه إلى الجبال ، وقال لها : اندفعي فتندفع وتتأخر حتى يصيروا بذلك في صحراء لا ترى أطرافها ، ثم يقول بيده هكذا ، ويقول : أطلعي - يا أيتها المودعات لمحمد وأنصاره - ما أودعكها « 9 » الله من الأشجار والأثمار والأنهار وأنواع الزهر والنبات ، فتطلع « 10 » الأشجار الباسقة ، والرياحين المونقة

--> ( 1 ) في المصدر : القضية . ( 2 ) في « ط » : إيمانا . ( 3 ) في « ط » : مقرونا . ( 4 ) في « ط » نسخة بدل : خاسئين . ( 5 ) الشعب : الطريق في الجبل ، أو ما انفرج بين جبلين ، والمقصود هنا شعب أبي يوسف بمكّة . ( 6 ) في المصدر : إذ رآهم . ( 7 ) الفجّ : الطريق الواسع بين الجبلين . « الصحاح - فجج - 1 : 333 » . ( 8 ) قال بيده : أشار بها . وفي « ط » نسخة بدل : شال . ( 9 ) في المصدر : أودعكموها . ( 10 ) في المصدر زيادة من .